محمد متولي الشعراوي

1902

تفسير الشعراوى

إن الحق سبحانه قد نسب هنا الإحاطة للبشر ، ولكن بإذن منه ، فهو يأذن للسر أن يولد ، تماما كما يوجد للإنسان سلالات ولها أوقات معلومة لميلادها ، كذلك أسرار الكون لها ميلاد . وكل سر في الكون له ميلاد ، هذا الميلاد ساعة يأتي ميعاده فإنه يظهر ، ويحيط به البشر . فإن كان العباد قد بحثوا عن السر وهم في طريق المقدمات ليصلوا إليه ووافق وصولهم ميعاد ميلاده ؛ يكونوا هم المتكشفين له . وإن لم يحن ميعاد ميلاد هذا السر فلن يتم اكتشافه . وإذا حان ميلاد السر ولم يوجد عالم معملى يأخذ بالأسباب والمقدمات فاللّه يخرج هذا السر كمصادفة لواحد من البشر . وحينئذ يقال : إن هذا السر قد ولد مصادفة من غير موعد ولا توقع . وأسرار اللّه التي جاءت على أساسها الاكتشافات المعاصرة ، كثير منها جاء مصادفة . فالعلماء يكونون بصدد شئ ، ويعطيهم اللّه ميلاد سر آخر . إذن فليس كل اكتشاف ابنا لبحث العلماء في مقدمات ما ، ولكن العلماء يشتغلون من أجل هدف ما ، فيعطيهم اللّه اكتشاف أسرار أخرى ؛ لأن ميلاد تلك الأسرار قد جاء والناس لم يشتغلوا بها . ويتكرم اللّه على خلقه ويعطيهم هذه الأسرار من غير توقع ولا مقدمات . ويستمر سياق الآية « فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ » وهو سبحانه يخاطب المؤمنين . والحق سبحانه وتعالى إذا خاطب قوما بوصف ، ثم طلب منهم هذا الوصف فما معناه ؟ . ومثال ذلك قول الحق سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ( من الآية 136 سورة النساء ) إنهم مؤمنون ، والحق قد ناداهم بهذا الوصف . معنى ذلك أنه يطلب منهم الالتزام بمواصفات الإيمان على مر الأزمان ، لأن الإيمان هو يقين بموضوعات الإيمان في ظرف زمنى ، والأزمان متعاقبة لأن الزمن ظرف غير قار . و « غير قار » تعنى أن الحاضر يصير ماضيا ، والحاضر كان مستقبلا من قبل . فالماضى كان في البداية مستقبلا ، ثم صار حاضرا ، ثم صار ماضيا . والزمن « ظرف » ، ولكنه ظرف غير قار . . أي غير ثابت . لكن المكان ظرف ثابت قار . فكأن اللّه يخاطبك : إن الزمن الذي مر قبل أن أخاطبك شغل بإيمانك ، والزمن الذي يجئ أيضا اشغله بالإيمان .